الأربعاء 14/5/2008..
عدت من العمل متعباً وفوجئت في شارعنا بعمال الفراشة ينصبون السرادق استعداداً لاستقبال الناس قبل انتهاء صلاة المغرب، وحين دخلت بيتنا واستفسرت عرفت أن جارتنا " أم محمد " هي من ماتت..
حزنت حزناً حقيقياً، كانت امرأة قوية، حادة الطباع قليلاً، ريفية بسيطة، كان زوجها أبو اليزيد، وقد مات منذ تسعة عشر عاماً، يعمل في الفاعل ثم سافر إلى السعودية ونجح في جمع بعض الأموال مكنته من شراء قطعة أرض في منطقة زراعية، تحولت بعد ذلك، وبشكل غير رسمي، إلى منطقة سكنية، وبنى العمارة التي نقطن فيها حالياً..
على حدة طبعها، ومشاجراتها مع كل من تدب فيه الروح، كانت تعاملني بحنان بالغ، ومثل اسمي لها مشكلة كبيرة في نطقه، فلا تناديني إلا " وصيفي " ، ليس هذا تدليلاً لي أن تنسبني إليها عن طريق الياء وإنما لم تستطع لفظه أبداً وورثت هذا النطق لكل أبنائها، محمد وإبراهيم وسامي وأحمد وآمال ونوسة!
مرضت في الشهور الأخيرة وتدهورت حالتها وفي النهاية أراحها الموت من الآلام الرهيبة التي عانتها خاصة في الأسبوع الأخير، ما فائدة البقاء في الدنيا إن اقتصر على مجابهة الأوجاع؟
***
في سرادق العزاء لاحظت نضجاً ألم بي!
في سنوات خلت، كنت أرى السرادق بعيني طفل، مجموعة كبيرة جداً من الناس، رجال كلهم، يرتدون جميعاً الملابس الرسمية، ولهم أحذية سوداء قد اعتنوا بتلميعها، ولهم رؤوس صلعاء فسيحة ينعكس عليها ضوء المصابيح وكلهم واجمون خاشعون. هذا المنظر اعتاد أن يثير لدي رغبة قاتلة في أن أضحك حتى أنفجر، ألجمها بصعوبة وفي أكثر من مرة فشلت!
لم تراودني تلك الرغبة بالأمس - ليس لأن الناس في غالبيتهم بسطاء ولا توجد تلك المظاهر من الأبهة البرجوازية - فقط الحزن، والتفكر في الآيات، والتي تحمل في تلك اللحظات معاني أكبر مما يبدو حين تُسمع في ظروف عادية، ثم انتقل تفكيري إلى نفسي: ترى لو مت الآن، كم شخص سيأتي لمواساة أبي في سرادق عزاء كهذا؟!
بعد أن رحت أحسب وأعد وأفند الأسباب الداعية إلى حضور هذا العدد القليل، بعد أن حددت أشخاصهم تقريباً، وهل الأفضل أن يكون في دار مناسبات بعيدة أم في الشارع، وأنني سأدفن بجوار جدي الذي لم أره في الدنيا أبداً وعمي الذي لم أره تقريباً بسبب خلافات تافهة بين الإخوة، تركت هذا العته كله إلى التفكير في حقيقة الموت نفسها، ماذا يعنيني أنا إن كان السرادق مكتظاً أم خالياً، سأكون ميتاً ساعتها!
الأهم أنه يوم آت، ربما بأسرع مما أتصور!
***
الناس تنصرف، هناك تقاليد معينة لابد من مراعاتها، فمن الممكن أن تدخل والشيخ يقرأ، ولكن لا يصح لك الخروج، أو شرب الماء أو القهوة أو السجائر، إلا بعد أن ينتهي من " الربع "، فتسلم على أهل الميت من يأخذون العزاء واحداً بعد واحد بالترتيب، ويقول لك كل منهم: " شكر الله سعيك " ، فترد عليه: " غفر الله ذنبك ". أنا لا أريد أن أنصرف، تملكني شعور قوي بأن الواجب يحتم علي الانتظار حتى النهاية وتقديم أية مساعدة، رغم أن جيرانٌ في نفس العمارة أقرب لها ولأبنائها مني " يُشَخِّرون " الآن في أسرتهم وأنا في أمس الحاجة لأي قدر من هذا الشخير!
انتهى العزاء، خلعت ملابسي وتمددت على السرير، شباك الغرفة " القبلية " ، والمستحيل إغلاقه صيفاً لتفادي الموت فطساناً بسبب الحر، يطل على " المنور "، ويأتيني بكل وضوح صوت عبد الباسط: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم "..
كتبها وصيف في 11:19 مساءً ::
