أنا شاب لكن عمري ألف عام.. وحيد لكن بين ضلوعي زحام..

خايف لكن خوفي مني أنا.. أخرس لكن قلبي مليان كلام ! 

أوراق العمر

الجمعة,أيار 23, 2008


الخميس 22/5/2008..

 

تأملتُ وجهي في المرآة قبل النزول، أعجبني التفرس فيه وخيل إلي أنه صار أكثر وسامة من ذي قبل وأن هذا اتجاهٌ ستعززه الأيام القادمة!

 

كانت ذقني النابتة عند هذا المستوى الذي أحبه وأحرص على الحصول عليه بماكينة الحلاقة، والـ T-shirt الأسود الجديد يبدو عظيماً - بالنسبة لسعره على الأقل - وشعري عند هذا المستوى الرائع من الطول، قبل أيام من تخطيه، خاصة ما فوق الأذن، مرحلة معينة يصبح عندها الذهاب للحلاق ضرورياً ليدمر كل شيء وأبدو كمن حلق رأسه تحت كوبري الجيزة مقابل بيضتين ورغيف!

 

منحني هذا الشعور، والنساء يصدقن مضمونه أو يكذبنه، إحساساً بالراحة فلم أكترث كثيراً للدقائق التي أضعتها في الحمام أمام المرآة وكون مقابلها سيخصم من المرتب المصاب بالأنيميا..!

 

***

 

انتهى العمل، وكذلك حصة الجامعة الأمريكية، وكعادتي مساء الخميس أقطع شوارع وسط البلد، وحدي، جيئة ورواحاً، ماراً بالسينمات، فإن أعجبني أحد الأفلام المعروضة، وكان في جيبي بعض المال، شاهدته، أو أتصعلك في الميادين والمقاهي حتى الثالثة فجراً..

 

أول الأسبوع شاهدت أفيش فيلم جديد بعنوان " جنينة الأسماك "، وأقسمت ألن يشاهده مخلوق قبلي، كيف لا، وهو من إنتاج " أفلام مصر العالمية - يوسف شاهين وشركاه " وإخراج العبقري يسري نصر الله، وبطولة هند صبري؟!

 

مررت بكل سينمات وسط البلد التي أعرفها ولم أجده، إما أنه لم يعرض بعد، أو يعرض الآن في سينمات المراكز التجارية بمدينة نصر ومصر الجديدة، صحيحٌ أنني أشعر أكثر بالألفة والراحة هنا، ولكنني سأشاهده أينما عرض، ولكن ليس الليلة فقد فات الوقت، الساعة الحادية عشرة والربع ومشوار مدينة نصر سيستغرق، على الأقل، ساعة ونصف..

 

مثلٌ شعبي رغم تنافيه مع معتقداتي إلا أنه انطبق بشدة هذا المساء: " ربنا بيقطع من هنا، ويوصل من هنا "!

 

سينما " ميامي " تعرض فيلماً حاز الكثير من التقدير والاستحسان، وأثار الكثير من الجدل كذلك، في أوساط السينمائيين والمثقفين وهو " ألوان السما السبعة "، بطولة ليلى علوي وفاروق الفيشاوي وحسن مصطفى، والممثل الشاب شريف رمزي..

 

قطعت تذكرة.. أمامي ساعة تقريباً، لن أنتظر في كافتيريا السينما، سأصيع قليلاً!

 

توجهتُ إلى " آخر ساعة " و" ضربت " أربع ساندويتشات متنوعة بين الفول والبابا غنوج والبطاطس المهروسة والديناميت - ساندويتش عبارة عن خليط من كل الأصناف المتوفرة في المحل! - وجلست على مقهى وطلبت نسكافيه ثم جلست أقرأ في الجزء الثاني من " المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل " للأستاذ هيكل..

 

قبل الميعاد المحدد بقليل، قمت أتمشى وأشاهد معروضات المحلات أثناء استمتاعي بـ " أيس كريم " حلواني " العبد " الرائع!

 

***

 

دخلت القاعة..

 

أحد العاملين في السينما كان زميلاً لي في المرحلة الابتدائية، أذكره جيداً، وأذكر أن اسمه ياسر، وبدا على ملامحه أنه يحاول تذكر الشبه، تجاهلته كي لا أثير في نفسه أي حزن إن تذكرني لما آلت إليه أحوال كل منا..

 

هل ما حاق بي أفضل حقاً؟!

 

السوق السينمائي " مضروب " هذا الوقت من السنة، ولن تمتلئ السينمات إلا في الموسم الصيفي، المتجه للتقلص عاماً بعد عام، بسبب الأيام الأحد عشرة التي ينتقل شهر رمضان بمقدارها للخلف سنوياً، ما سيضاعف الخسارة مرتين، فسيندمج الموسمان ليصبحا موسماً واحداً أقل في إيراداته من أيهما قبل الاندماج لحلول رمضان في الوسط..

 

رحت أفكر قليلاً في هذا الشأن الإنتاجي واسترجعت بعض الدراسات التي قرأتها في العلاقة بين رأس المال ونوعية الفن المقدم، ثم أبعدتها كلها من رأسي، وأغمضت عيني أنتظر بداية العرض..

                                                                                         

***

" لقد سما الجسد الترابي "

من العشق حتى الأفلاك..

 

وحتى الجبل

بدأ في الرقص وخف ""

 

بهذا البيت، لجلال الدين الرومي، يبدأ الفيلم، ما بشرني بسهرة رائعة..

 

قصة حب بدأ ونما بين فتاة ليل - سابقة - وبين راقص " تنورة " بارع بلغ شهرة عالمية، لا يرى نفسه كما تراه عيون المعجبين، وبصفة خاصة ابنه - شريف رمزي - المتمثل حلم حياته في أن يصبح يوماً راقصاً كوالده، لـ " يتحرر " من القيود التي فرضتها عليه حياته..

 

عمل رائع، سأشاهده مجدداً، وقد نجحت الكاتبة زينب عزيز، وتألق المخرج سعد هنداوي في دفع قلبي للرقص مع التنورة واختياره البديع لأماكن التصوير، وبراعة الأداء من الممثلين في تناول قضايا الحرية، والعهر، والاختيار بلغة مختلفة وجديدة..

 

الفيلم يستحق فعلاً ما ناله من التكريم، وإن عابه افتقار السيناريو إلى الترابط والمرور الخاطف بما يستحق الوقوف أمامه طويلاً، وتلك أبرز مشكلات الأعمال التي تتحمس لتقديم الراقي المختلف وسط عواصف الهبوط والابتذال: الاندفاع في محاولة قول كل شيء، فتأتي النتيجة بالسلب على كل شيء!

 

وهذا لا يقلل، أبداً، من جمال العمل والجهود الرائعة المبذولة فيه..

 

***

 

مع الإقبال الكبير على دور العرض السينمائي في نهاية التسعينات، وسعياً إلى المزيد منه، وقد أضحى استثماراً مربحاً انتقلت فيه المنافسة إلى الاحتكار، اعتُنى بأجهزة الصوت والعرض للغاية، وتحولت معظم السينمات إلى " مجمعات " سينمائية يحوي الواحد منها أربع شاشات عرض على الأقل، و" ميامي " و" ديانا " و" كايرو " من القلائل التي بقيت على حالها دون تغيير..

 

الصوت ضعيف جداً وغير واضح ويُفهم بجهد كبير، وهناك مجموعة أصدقاء جلست في الصف الخلفي، وانشغلوا تماماً عن الفيلم بالضحك والهزار، مما سبب لي ضيقاً شديداً وأخرجني عن نشوة المتابعة..

 

قبل أن أخاطبهم، ثم أصعد الأمر إن رفضوا التزام الهدوء سألت نفسي: لماذا أفسد عليهم لحظات سعيدة يضحكون فيها من القلب، حتى ولو كانوا من المتمتعين بكم وافر من " الجليطة " وقلة الذوق والتهذيب؟!

 

لقد مرت علي سنوات ثلاثة - على أقل تقدير - لم أحظ فيها، ولو لمرة واحدة، بضحكة من هذا النوع، حيث أضحك حتى تدمع عيناي، وتؤلمني بطني وأحتاج لشربة ماء.. تركتهم يكملون ضحكاتهم، وأرهفت السمع أكثر لاعناً إياهم والزمن!

 

***

 

الثالثة بعد منتصف الليل، أنا وميدان طلعت حرب، ليس معي إلا عسكري المرور وتمر سيارة واحدة كل دقيقتين!

 

رحت أتأمل تلك المنطقة العريقة التي أعشقها بتفاصيلها، متوقفاً أمام أحجار كل بناية، وأم كلثوم، تشدو برائعة السنباطي: أقبل الليل..

 

لقد راحت تلك الأيام التي كنتُ فيها أجاهد دموعاً تأبى الخضوع للقمع، تخلصت منها كي لا تبقى وحيدة بلا ضحكات تنافسها فجفت المآقي طواعية. أما في تلك الأجواء، ومع صوت أم كلثوم، رغم عدم وجود آدمي محدد مجسد تنطبق عليه: كم أناديك بأشواقي ولا ألقى مجيباً، أفلتت دمعة واحدة من الحصار..

 

تصرفت فوراً! مسحتها وغيرت وجهتي، وتركت مشيتي المتمهلة المتثاقلة إلى خطوات منتظمة مستعجلة باتجاه ميدان رمسيس، حيث لا تهدأ الأصوات ولا تُطفأ الأنوار، وينادي كل على بضاعته، الأحذية والملابس المبسوطة على الرصيف، ومحلات الأطعمة ينادي عمالها المارة ليجربوا أصنافها، وسائقي نقل الركاب بين المحافظات يصرخون: طنطا واحد، إسكندرية صحراوي.....

 

أهرب في العادة من الصخب إلى الوحدة، ولكنها الليلة فاقت قدرتي على تحملها فتركتها إلى الزحام، حيث لا أحد ليأبه بك رغم تدافع الأجساد..