( 7 )
في مناقشة مع زميلة وصديقة في العمل، انزعجت مما قرأت عن رأيي في هذا الحب الصامت من طرف واحد، واعتبرته مفتقراً إلى الرومانسية ، مشيدة بهذا الشعور النبيل..
فرقت لها بين نوعين من هذا الحب من طرف واحد، الأول هو هذا الذي تناولته حتى الآن، حيث تفيض مشاعر الحب والغرام تجاه محبوب لا يراه المحب إلا من بعيد راسماً له صورة ملائكية من الخيال، وهو شعور خاطئ وخطاه يكمن في أنه بلا حيثيات حقيقية، إنسان لا يفهم على نحو دقيق حاجاته ولا يعرف شيئاً عن المحبوب إلا ما يتبين له حين يشاهده من خلف النافذة!
السذاجة هنا في "التضخيم"، تقييم هذا الانجذاب البسيط نحو الجنس الآخر إلى أشياء كبرى غير حقيقية، ترجع بالأساس إلى مشكلات يعانيها هذا المحب، وما يشعر به قد أتفهمه، أو أتعاطف معه، ولكنني في كل الأحوال لا أستطيع تبريره..
من أجمل أغنيات الراحل محمد فوزي والتي تصف الحالة التي أنعتها بالساذجة بتفاصيلها "تملي ف قلبي":
تملي ف قلبي يا حبيبي
وأنا عايش غريب عنك
تملي ولا انتا داريبي
وأنا بشكي إليك منك
أنا بشكي إليك منك
يا حبيبي
***
يا ساكن ف الهوا قلبي
وساكن ف الديار جاري
جمالك كل يوم جنبي
آسرني وانتا مش داري
معاك بعنيا وكفاية
تنور ليا دنيايا
أنا بشكي إليك منك
يا حبيبي
***
لا في ماضي أقولك كان
ولا فاكره ولا نسيته
ولا مرة جمعنا مكان
عشان تدرى اللي قاسيته
بقلبي لك أنا كلي
وشاغلك عني إيه قوللي
أنا بشكي إليك منك
يا حبيبي
***
ياريت أخطر ف أحلامك
وأشاغلك وأشغلك مرة
ياريت تلمحني أيامك
وأعيش فيها ولو نظرة
ياريت أخطر على قلبك
ولو تكرهني وأحبك
أنا بشكي إليك منك
يا حبيبي
http://www.4shared.com/file/45545001/621c54ff/tamali.html
لم يجمع بينهما أي مكان، ولم يتبادلا حتى كلمة، يراها من بعيد، ومع هذا يقف حياته كلها عليها..
من الممكن أن أتقبل أن يقع مراهق صغير - في مجتمع مكبوت ويعاني ظروفاً غير اعتيادية - في سذاجة كهذه، و قد وقعتُ أنا نفسي في حالتين ومنها مرة عزمت فيها على الانتحار وقد تخطى عمرى الحادية والعشرين - قصصت هنا التفاصيل وكلما توقفت استزادتني! - ولكن عذري الوحيد كان أن حياتي تجمدت في فترة معينة توقف فيها النمو العاطفي..
تماماً كما في قصة أهل الكهف!
استيقظت فجأة بعد أن كنت في الثلاجة لثمانية أعوام ووجدتني أمارس في الحادية والعشرين ممارسات الثالثة عشرة، ولكن الصدمة كان لها أثراً - لا أعرف هل هو إيجابي أم سلبي - جعلني أقيم الحب بعقلية ابن الخمسين!
هذا الشعور المنبثق عن أول نظرة هو إعجاب بسيط، لذيذ ودمه خفيف، والتعبير عنه شيء لطيف ومطلوب - طالما لم يواجه بإعراض وصد فالإصرار هنا يصبح تحرشاً لا أخلاقياً - والبوح لا يجرح الكرامة ولا يخدش الكبرياء، ولا يجب أن نبني عليه آمالاً كبرى لأنه صغير، وكتمه في أعماق النفس مسألة سخيفة وحرمان من فرص قد تكون سانحة، فإن رفض هذا الإعجاب لا يوجد ما يبرر لا الحزن ولا الانتحار، وإن قبل وكان متبادلاً فهو مجرد إعجاب متبادل لابد أن يؤدي إلى السرير، وقد يفضي لما هو أكبر، وقد ينتهي بعد الاستحمام وارتداء كل لملابسه!
في طريقي إلى العمل، أمر بموقف ميكروباص ينقل الطلبة من ميدان لبنان إلى جامعات ومعاهد مدينة السادس من أكتوبر. أول أمس، صادفتني فتاة بارعة الجمال، أجمل بمراحل من كل هؤلاء اللاتي أحببت من طرف واحد، وتعبير الجمال هنا أعني به شيئاً أكبر من الجانب الجسدي، فكثيراً ما أقابل فتاة و تعجبني ولكن رغبتي تترجم بشكل شديد التحديد: أود أن أنام معها.. لا أكثر!
أما هذه فشيء آخر، ذهبت باتجاهها وسألتها:
- هو العربيات هنا مش بتروح برضه مدينة الثقافة والعلوم ولا جامعة 6 أكتوبر بس؟
- (مبتسمة وكأنها تقول: احنا حنستهبل؟ ما تسأل سواق م اللي واقفين) أيوة!
- الله! أنا اتأخرت جداً ع الشغل.. أصل أنا بشتغل هنا ف الشارع ده، هتلاقيني كل يوم كدة زي دلوقتي!
-........... (أدارت وجهها الناحية الأخرى وهي تتصنع الغضب وتنفخ في ضيق)
مشيت لمترين ثم عدت كمن تذكر شيئاً هاماً وسألتها بلهجة جادة مشيراً إلى عينيها البارعتين:
- إوعي تقوليلي إنهم عدسات.. ده لونهم صح؟!
- (وقد تركت ضحكتها تنساب بحرية) أيوة يا سيدي!
- فرصة سعيدة.. حتتكرر على فكرة، محسوبك لزقة!
مشيت سعيداً وكان عملي رائعاً في هذا اليوم ولكنني لم أجلس وأحلل وأضع الاحتمالات، المسألة بسيطة، إعجاب قد يأخذ أشكالاً أعقد أو لا، بناء على رغبتها هي، إن أرادت نضع الأمر تحت الاختبار والتجربة لتنضجه دون افتراضات مسبقة، وإن لم ترض.. طظ فيها، لن تغرق دموعي أكياس المخدات!
كان هذا ملخص ما قلته لصديقتي عن النوع الأول، أما الآخر فيحتاج وقفة أخرى..
../..
كتبها وصيف في 04:28 مساءً ::
